يوما ما -قصة قصيرة-

“افرحي وهللي وزغردي، وأسجدي لله شكرا، فأنا الآن على سرير المرض كما تمنيتي تماما، لكِ مطلق الحرية فى الشماتة، فأنا نفسي أشمت فى نفسي، ينتقم الله منى وأستحق ذلك وأكثر.

أرقصي وغني فى جنازتى، ولو أنى لا أظن أن الله سيقبض روحى بهذه السهولة، أتمنى أن أتعذب فى مرضي أكثر كى يخلص الله منك ومن غيرك ما فعلته بكن، لعله بذلك يغفر لى، وأتمني من كل قلبى أن تغفرن لى.

نعم، لست الوحيدة التي فعلت بها ذلك، هناك الكثيرات، والكثيرين، لنقل أن هذه كانت مهنتى، لقمة عيشي، هكذا كنت أتحصل على المال، من بيع فلذات كبدي.”

قالها الرجل الأربعيني الجالس على سرير متهالك فى مستشفي حكومي، فى عنبر يضم العشرات مثله، مريضا بمرض ليس حتى بالمرض الخبيث، فيروس لا يعلم أحد ماهيته حتى الأن، يأكل كل جزء فى جسده شيئا فشيئا، للسيدة الثلاثينية الجالسة أمامه، بنظرات حائرة ما بين الشماتة والشفقة، فمازال هناك بقايا مشاعر من زمن ولى ونسيته، تذكرت كل شئ كأنه الأمس، تألم قلبها وأعتصر، ذاك اليوم الذي اعترف فيه بحبه لها، أحست العالم كله ملك يديها، لم يكن يملك الكثير، وكانت هى من أسرة مسيورة، مابين الفقيرة والمتوسطة، تعيش فى أحدى الأحياء الشعبية الدافئة، وكان هو الجار الدنجوان، الفتي الذي تتمناه كل فتيات الحارة، أوهمها أنه أصلا من الصعيد،وأن عليه تار وأنه لا يستطيع الزواج بها لكى لا يعرف أحد مكانه، لأن أهله يبحثون عنه فى السجلات المدنية ليعرفوا مكانه عن طريق السؤال عن زواجه، كذبة غير مرتبة وغير منطقية، ولكنها أنطلت عليها، وعلى اهلها، وتم الزواج، وأثمر طفلا يشبه والده كثيرا، الشعر المجعد قليلا، الوجه الصغير الأسمر ذو شامة خفيفة على الذقن، العينين البنيتين، نسخة مصغرة، ولكن ذلك الوالد سافر فى مهمة عمل على حد قوله وأختفى، لم يحضر ولادة أبنه، وبالطبع لم يتم تسجيله،أتصل أهلها به بعد الولادة، فرح كثيرا، ووعدهم أنه سيأتى فورا ليري ابنه المتنظر، ولكنه لم يأتي، طلب منهم صورا له لتصبره حتي يأتى، ولكنه لم يفعل، ظلت المسكينة تتصل به، وكان يرد عليها بلا أهتمام: سآتى الأسبوع القادم، والأسبوع جر أسبوع، حتى صرخت فيه مرة:

-أنت لست بأب، أبنك أقترب أن يتم سنة، ولم تسجله، ولم يأخذ تطعيماته، ما الملطوب منى أن أفعله؟

– لم العجلة حبيبتى؟ قلت لك سأسجله، أتظنين أنى سأهرب منك ومنه، أنه جزء منى حبيبتى.

– لا تظل تكرر حبيبتى حبيبتى، إن نويت غدرا ستري غدرا.

– أى غدر، إن كنت أنوي غدرا كنت تزوجتك دون علم أهلك عزيزتى، والأن أرسلي لي صورة للولد، كم صار عمره الآن ؟

– 8 أشهر، 8 أشهر ولم يأخذ أى تطعيم إلى الأن، ذنبه فى رقبتك إن حدث له شئ.

– لن يحدث إن شاء الله، لا تقلقى، أرسلي لي فقط صورة تصبرنى، وأعدك هذا المرة سآتى.

أرسلت له الصورة، وبعد أسبوعين صدق الوعد هذه المرة، وعاد من سفره ومعه الهدايا والمال، أحتضن الطفل طويلا، ولعب معه كثيرا، وبعد أن نام طلب منها أن يتحدث معها فى موضوع مهم:

  • أتدرين، لقد أرسل الله لنا رزقا وفيرا، سنصبح أغنياء ولدينا كل ما نتمناه.
  • حقا ؟ كيف؟
  • –       رزق نور، عشر آلاف دولار.
  • دولار؟؟ قلت دولار ؟
  • نعم ، لقد أعجبهم نور كثيرا، وإن ضغطنا عليهم سيدفعون أكثر.
  • ماشاء الله… أنتظر.. لم أفهم؟ سيعطوك المال فقط لأنهم أحبوا أبننا؟

ضحك ضحكة طويلة بلهاء، ثم قال: ألن يصير أبنهم؟

لم تفهم أى شئ، ظلت صامته منتظرة ان يكمل حديثه، ربت على شعرها، ونظر إليها ثم قال:

  • هل تحبين أن يربى أبنك هنا؟ فى هذا المكان، هؤلاء الناس فاحشي الثراء، المبلغ بالنسبة لهم كجنيه بالنسبة لنا.
  • ستبيع أبنك؟
  • لنقل أنى سأقرضهم إياه.
  • الآن فهمت لم كنت تماطل فى تسجيله، أردت أن يكون بلا هوية، يتيما ونحن على قيد الحياة، لن تأخذه إلى على جثتى.

تغير وجهه، وأحمرت عيناه، أمسكها من شعرها وهددها أنه سيأخذ الولد شائت أم أبت ، هددته بأن تفضحه، صفعها صفعة أودت بها أرضا، أستغل الفرصة وأخذ الطفل وهرب، ولم تراه مرة أخرى إلا كجثة فى المستشفى، لا يملك سوي أن يحرك لسانه، فتحت عيناها ومسحت دمعتين سقطتا رغما عنها وقالت:

  • أين نور يا فتحى؟
  • هل لازال لديك أملا أن تريه.
  • أعيش فقط على هذا الأمل.
  • سأعطيك أسم مدرسته وعنوان المنزل

طلب منها أن تعطيه هاتفه من على المنضدة بجواره، أراها صورته، فهو يذهب كل فترة ليحصل ما يسميه الإيجار،ويجلس معه قليلا ويصوره، وإن رفضوا يهددهم بالفضيحة، فيدفعوا راضخين، وبالطبع يفعل ذلك مع كل أطفاله غير نور.

أخذت أسم المدرسة والعنوان، وحفرت صورة الولد فى عينيها وقلبها، وهمت بالرحيل، أستوقفها وقال لها، هل سامحتيني؟ ، نظرت إليه وقالت: فليسامحك الله، أما أنا فليعينني الله، وتركته وذهبت.

هامت فى الشارع غير مصدقة أنه ستري إبنها مرة أخري، ولكن بقلق تفكر، كيف ستقابله، كيف سيتقبل أصلا فكرة أن له أما أخرى، كيف سأتقرب منه، فكرت أن تصبر نفسها فقط برؤيته، وتذهب للبيت، وتجرب أن تحكى حكايتها لمن يحتضنون نور فى بيتهم، ولو أنها لم تمن نفسها كثيرا بتقبلهم لها، وتوقعت أن تطرد على الفور.

ذهبت إلى المدرسة، رأته من بعيد يركض مع أصحابه، الآن فقط فهمت معنى أن يرقص قلبها فرحا، شعرت أنها تريد الأن أن تعانقه وتبكي بأحضانه كثيرا، ولكن تمالكت نفسها، ومسحت عين أدماها البكاء، وذهبت لعنوان المنزل.

فيلا كبيرة، لنقل قصرا، له بوابات حديدة طويلة مزخرفة، يحيطها الأشجار والحرس، طلبت من إحد الحراس أن تدخل، أخرج من جيبه حفنة من المال، وضعها فى يدها وقال: أدعي للبيه، رفضت بشدة، وقالت أنها تريد أن تراهم لأمر أخر، أمر يخص أبنهم، نظر إليها الحارس نظرة ريبة، ولكنه رأى فى عينيها أسي لم يراه فى حياته، حدثهم فى الداخل عن طريق جهاز مخصوص، سمحت له سيدة المنزل بأن تدخل.

دخلت ورأت الفيلا من الداخل، اللون الأبيض مسيطر على المكان، على الرغم من ضخامة المكان من الخارج، إلا أن كل شئ فيه بسيط من الداخل، أجلسها الرجل على الأريكة المريحة المقابلة للسلم المؤدي للغرف، نزلت سيدة المنزل من السلم، طويلة، بيضاء، بسيطة الملامح،  منمقة الشعر بلا تكلف، رحبت بها كثيرا، و طلبت لها عصيرا وفطورا، رفضت على إستحياء، ولكن سيدة المنزل أصرت، وقالت :

  • هيا أحك لى ، ما الموضوع المهم الذي يخص أبني؟ أانت دادة من المدرسة.

انفجرت سمية فى البكاء رغما عنها، لم تستطع ان تتمالك نفسها، لم تتحمل كلمة دادة، فجرت تلك الكلمة غضب وحزن 10 سنوات.

 هدأتها السيدة، ثم قالت: يظهر حكايتك حكاية.

أعتذرت سمية، وقالت: أعلم أن ما سأقوله الآن قد يبدو لك كذبا، وأتوقع أن تطرديني بعده، وقد تطلبين لى الشرطة، ولكن كل ذلك لا يهم، أطلب فقط أن تسمعيني، ثم أفعلى ما يحلو لك.

أزدادت حيرة السيدة وارتباكها، واتخذت حذرها، وسمعت سمية التى حكت لها كل شئ بإهتمام، أرتها صوره منذ الولادة على هاتفها القديم الذى لم تغيره طيلة السنوات العشر التى مرت، أرتها صورها مع فتحى، و نسخة الزواج العرفي التى لم تفارق محفظتها، حكت لها عن فتحى ومكانه الآن لتأتى معها وتسأله وتتأكد.

دمعت عين السيدة، لم تصدق أن الرجل باعهم أبنه، حلفت لها أنه قال أنه طفل وجده فى صندوق قمامه ورباه وحده، حكت لها على الحادثة البشعة التى حدثت لها منذ 15 سنة، والتى أستأصلوا لها رحمها على أثرها وفقدت الامل أن تصبح أما، جائها نور لينور حياتها، لم تكن لتتخيل أن المسكين له أما على قيد الحياة.

جاء نور من مدرسته وركض على حضن أمه البديلة، قبلها وأحتضنها، وسألها عن سمية، مسحت دمعتها و لم تعرف ماذا تقول، ثم أبتسمت وطلبت منه أن يسلم على الضيفة، أحتضنته سمية كثيرا كثيرا، شمت ريحته وتحسست وجهه وقبلته كثيرا، وبكت أثناء عناقه، شعرت أنه سيختفى مرة أخرى إن تركته، ولكن السيدة قاطعتهم وطلبت من نور أن يذهب لغرفته.

جلست السيدتان بلا كلام لمدة لم تدريان كم طالت، سمية تريد إبنها، ولكن كيف ستنقله من هذا المستوى إلى مستواها؟ يظل ينقم عليها إلى الأبد، لن تستطيع أن توفر له عشر ما يعيش فيه، أما السيدة فستعود للحرمان مرة أخرى، وسختفى إحساس عاشته سنوات، ناهيك عن الصدمة التى سيسببانها للولد فى هذا السن، نظرا لبعضهما، ثم أتفقا على أن تكون سمية خالة الولد، وأخترعا له حكاية أنها كانت مسافرة وعادت، وستعيش معهم للأبد، ويربيانه سويا، حتى يحين الوقت المناسب لكشف كل شئ.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

موقع ويب مدعوم بواسطة ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑

%d مدونون معجبون بهذه: